أنت مدعو للتجول معي في مدونة عمارة الأرض للذهاب في المكان من شمال الأرض لجنوبها ومن شرقها لغربها وفي الزمان من عصور سحيقة في القدم مرورا بعصور الفراعنة وشعب المايا و الصينيين و اليونان و الرومان ولعصور الخلافة الإسلامية ومن عصور النهضة الي العصر الحديث لترى طرائف غرائب و من أصغر بيت في العالم إلى أكبر ما أبدعه الانسان ومن منزل يسكنه الإنسان إلى أعلي ناطحة سحاب في العالم لنغوص في عمق النفس البشرية لنري الرعب أو الجنون أو بيتا يحاكي الطبيعة كالصدف أو البيضة أويشبه حيوان أو تحت الأرض.

439 - بيت المريخي بجزيرة دلما بأبوظبي الأمارات

يعد بيت المرحوم محمد بن جاسم المريخي علامة بارزة على تاريخ وأصالة جزيرة دلما فهذا البيت شغل وظائف حية لتعاملات سكان المنطقة وشكل نقطة تواصل حضاري بين مراكب البحارة وتجار الأقمشة واللؤلؤ كما أنه معلم بارز ودليل راسخ على كرم أهل الإمارات وحبهم لاستضافة الزائرين سواء كانوا تجاراً أو مقيمين على أرض تلك الجزيرة التي تقع غرب العاصمة أبوظبي بمسافة 210 كيلومترات ويمثل البيت الذي بني في عام 1835م مسكناً كان يعيش به المريخي وهو أحد أبرز رجالات الجزيرة وتجارها وواحد من الرجال المشهود لهم برجاحة العقل والعدل كما قام البيت بدور رئيسي بصفته مركزاً لاستقبال تجار اللؤلؤ وكانت تعقد فيه اجتماعاتهم ومناقشاتهم اليومية حول أحوال الغوص بالإضافة لطرح المشكلات التي تواجه الغواصين وطرق حلها فكان المبدأ المجلس المشورة والاستماع لأصحاب الرأي ليتم توزيع الأرباح على التجار وبعد ذلك يتم تدوينها في دفتر يحمل بيانات بأسماء ركاب السفن ومكاسبهم من رحلات الغوص ولم يقتصر دور المركز على تجمعات الأهالي فقط بل كان مقصداً للتجار الغرباء عن الجزيرة والذين كانوا يأتون للجزيرة بهدف التبادل التجاري مع الدول المجاورة مثل السعودية واليمن والعراق وايران والهند حيث كانوا يوردون للجزيرة الأقمشة والبهارات والتمور والبن والفواكه والخضراوات وفي المقابل يتزودون بعدد من السلع والمنتجات التي تمتاز بها الجزيرة ومنها التمور واللؤلؤ والأسماك والمشغولات اليدوية والسيوف وأدوات الصيد وإن أكثر ما يميز البيت إلى جانب الدور الذي يقوم به هو شكله الخارجي فقد روعي في بنائه تصميماً هندسياً يستمد جمالياته من مباني العهد الأموي التي امتازت بالنقوش الدقيقة والحرفية في اختيار الاشكال والتصاميم المطابقة للبيئة كما جرى اعتماد الطين في بنائه بخلاف المساكن التي كان يعيش فيها أهالي الجزيرة والتي كان أغلبها من سعف النخيل وتسمى ببيوت العريش وينقسم البيت إلى طابقين في الطابق الأرضي عدة غرف بينها غرفتان متجاورتان لتخزين المواد الغذائية التي يتم جلبها وبالجوار منهما توجد غرفة تحوي علي ثلاث مدابس متصلة ببعضها بعضاً ومحفورة في الأرض على شكل أخاديد متجاورة استخدمت لتسيح التمر وإعادة تصديره بوصفه أحد أهم منتجات الجزيرة وفي الطابق الثاني من البيت يوجد المجلس أو المركز وقد خصص له سلم خارجي والناظر لتصميمه يرى مدى تأثير القيم الدينية والتقاليد العربية الأصلية على سكان الجزيرة من خلال مراعاة حرمة المسكن والفصل بين مدخل الرجال والنساء حيث كانت أسرة صاحب المنزل تسكن الطابق الأرضي وقد لعب المجلس دوراً كبيراً بوصفة برلماناً مصغراً يجتمع فيه الرجال من أهالي الجزيرة والتجار من خارجها لتبادل الأحاديث والتعرف إلى أحوال الغوص ورحلاته كما تتم كتابة وتدوين المعلومات عن كل سفينة وما تحتويه من طاقم غواصين وبحارين بالإضافة لكمية اللؤلؤ واحجامه وقياس أوزانه ومتطلبات السوق وأسعاره في الدول الأخرى ويناقش البحارة موضوعات حول تحصيل الضرائب ومشكلات الغواصين وإن أكثر ما يميز بيت المريخي أو مركز اللؤلؤ عن غيره من المباني التاريخية هو موقعه الاستراتيجي الذي يمنحه فرصة الإشراف على البحر من جهة وعلى اليابسة من جهة أخرى حيث يمكن لمن يعتلي سطح البيت أن يرى سلسلة الجبال المتصلة ببعضها بعضاً الأمر الذي يوضح مدى اهتمام أهالي الجزيرة باختيار الموقع ومدى إلمامهم بالأسلوب الأمثل لوضع ذلك الاختيار موضع التنفيذ ولم يتناس المريخي أهمية دور العبادة حيث بنى مسجداً بالجوار من بيته فكان الملاذ الروحي لسكان الجزيرة وكانت جميع الصلوات تقام فيه كما لعب المسجد خلال الفترة الماضية من تاريخ الجزيرة دوراً بارزاً في الحركة التعليمية حيث كان يمثل منبراً للعلم ومكاناً لتحفيظ القرآن الكريم وتعلم السيرة النبوية الشريفة كما كان كتَّاباً يتعلم فيه أبناء الجزيرة الحساب والقراءة والكتابة ويضم المسجد كذلك غرفة وضوء فيها بئران وحمام للوضوء وبجهود هيئة التراث للمحافظة على الإرث الحضاري تم ترميم البيت وتحويله إلى متحف يحمل جميع اللقى الأثرية التي تم العثور عليها في الجزيرة والتي تعود لحقب تاريخية قديمة منها ما يتخطى فترة ميلاد السيد المسيح عليه السلام.