أنت مدعو للتجول معي في مدونة عمارة الأرض للذهاب في المكان من شمال الأرض لجنوبها ومن شرقها لغربها وفي الزمان من عصور سحيقة في القدم مرورا بعصور الفراعنة وشعب المايا و الصينيين و اليونان و الرومان ولعصور الخلافة الإسلامية ومن عصور النهضة الي العصر الحديث لترى طرائف غرائب و من أصغر بيت في العالم إلى أكبر ما أبدعه الانسان ومن منزل يسكنه الإنسان إلى أعلي ناطحة سحاب في العالم لنغوص في عمق النفس البشرية لنري الرعب أو الجنون أو بيتا يحاكي الطبيعة كالصدف أو البيضة أويشبه حيوان أو تحت الأرض.

568-قصر الزعفران بالقاهره مصر

يطل قصر الزعفران على حي العباسية في القاهرة بطرازه الأوروبي مثل تحفة معمارية فريدة في نوعها لا ينافسها في جمال المنظر ودقة البناء سوى قصر فرساي الشهير في فرنسا ويرجع إنشاء هذا القصر المنيف إلى العام 1870 وتحديدا في عصر الخديوي إسماعيل الذي تقول المراجع التاريخية إنه أتم بناءه على أنقاض قصر الحصوة الذي بناه محمد علي مؤسس الدولة المصرية الحديثة ويشير خبراء في آثار أسرة محمد علي إلى أن إسماعيل عهد إلى مهندس يدعى مغربي بك سعد بتصميم هذا القصر والإشراف على بنائه وأنه اشترط عليه أن يبني القصر على غرار قصر فرساي في فرنسا الذي كان الخديوي قد قضى فيه فترة تعليمه ويطل قصر الزعفران على حي العباسية من أربع واجهات معشقة بنوافذ وشرفات بعقود نصف دائرية وزخارف جصية بهيئة فروع نباتية وأكاليل زهور غاية في البساطة والرقة وقد تضمن تصميم القصر فنون النحاس والذهب والزجاج الملون فضلا عن أسقفه الملونة بألوان السماء وكان الخديوي إسماعيل قد طلب نقش الأحرف الأولى من اسمه وشكل تاجه الخاص على بوابة القصر الحديدية ومداخل القاعات والغرف لكنه في العام 1872 أهدى القصر لوالدته المريضة خوشيار هانم لتقيم فيه خلال فترة الاستشفاء من مرض عضال أصابها حيث نصحها الأطباء بالهواء النقي ويقال إن إسماعيل أمر وقتها بزراعة حديقة غناء حول القصر كانت مزروعة بكاملها بنبات الزعفران ذي الرائحة الزكية على أن قصر الزعفران لم يكن مجرد واحد من القصور الفاخرة التي بنتها أسرة محمد علي في مختلف أنحاء القاهرة في القرنين الماضيين فقد شهد القصر العديد من الأحداث التاريخية الساخنة التي مرت على مصر خلال تلك الفترة مثل دخول الإنجليز إلى البلاد وتوقيع معاهدة عام 1936 الشهيرة وما زالت المنضدة التي تم توقيع تلك المعاهدة عليها موجودة في مكانها بصالون القاعة الرئيسية وحولها طاقم من الكراسي المذهبة ويتبع القصر الآن جامعة عين شمس وقد انتقلت إليه إدارة الجامعة منذ سنوات بعيدة لكنه لا يزال يحتفظ بطرازه المعماري الذي يتميز بالبساطة في العناصر المعمارية والزخرفية وهو ما يمكن ملاحظته في عقود النوافذ والشرفات والأعمدة التي تملأ الواجهات والأشكال الكروية التي تعلوها التيجان الملكية ويجمع قصر الزعفران من الداخل بين طرازين هما الطراز القوطي وطراز الباروك وهما من أهم الطرز المعمارية التي كانت تستعمل في كثير من قصور القرن التاسع عشر ويتقدم المدخل الرئيسي للقصر إحدى الواجهات وهو يأخذ شكل البائكة بعقود نصف دائرية تعلوه شرفة كبيرة ويمكن للزائر الصعود إلى المدخل إما مترجلا عن طريق السلالم الرخامية التي تتوسطه أو داخل عربة حيث توجد على جانبي المدخل ممرات منحدرة خصصت لصعود العربات عليها وهي ممرات تعود بالزائر إلى أجواء القرن التاسع عشر حيث موكب الخديوي بالعربات التي كانت تجرها الخيول تصعد على الممرات بينما الأمراء أمام باب القصر في شرف الاستقبال ويتكون قصر الزعفران من ثلاثة طوابق رئيسية إلى جانب طابق تحت الأرض ويقول خبراء آثار إن الطابق الأول كان مخصصا للاستقبال حيث يضم القاعة الرئيسية إلى اليسار من باب الدخول والى جوارها قاعتا استقبال أخريان فيما تقع حجرة المائدة إلى اليمين وهي تسع لنحو 49 شخصا ويعد باب القصر المصنوع من الزجاج المعشق تحفة فنية رائعة الجمال بألوانه وبما يضمه من أشكال لزهور وشجرة كبيرة ذات ثمار وينفرد القصر من الداخل بمجموعة من العناصر الزخرفية النادرة فضلا عن معماره الذي لا يوجد له مثيل ويتجلى ذلك في سلم البهو الكبير المصنوع من النحاس والمغطى بطبقة مذهبة وهو سلم ذو طرفين يرتفع بمستوى طابقي القصر ويقول أثريون إنه يكاد يكون السلم الوحيد في مصر الذي يضم هذه الكمية من النحاس ويعد سقف قصر الزعفران تحفة فنية في حد ذاته وهو عبارة عن زجاج بلوري معشق بالرصاص تم طلاؤه بألوان زاهية تعكس على السلم ألوان السماء في مختلف حالاتها كما يضم الطابق الأول مجموعة من الأعمدة ذات الطراز اليوناني الروماني من الرخام الأخضر والأصفر بتيجان مذهبة ويضم الطابق الثاني للقصر ثماني غرف للنوم كل غرفة ملحق بها صالون للاستقبال وحمام تركي كبير مصنوع من الرخام ومزود بقطع من الزجاج الملون تجعله يبدو مضاء بإضاءة طبيعية طوال الوقت أما حوائط الحجرات فهي مزينة بأشكال الورد والزهور الملونة إضافة إلى التذهب بالذهب الفرنسي ويصل ارتفاع الأبواب الخشبية للقصر إلى نحو أربعة أمتار فيما يصل ارتفاع الأسقف إلى ستة أمتار وهو ارتفاع يساعد بالقطع على تلطيف حرارة الجو خاصة في فصل الصيف ما يشعر المقيم فيه دائما بتيار من الهواء المنعش وتعد الأسقف الملونة أهم ما يميز حجرات الطابق الثاني وهي بلون السماء ويقال إن معماري القصر نفذها على هذا النحو في غرف النوم لأن الخديوي إسماعيل كان يحب أن ينظر إلى السماء وهو مستلق على ظهره قبل النوم.