أنت مدعو للتجول معي في مدونة عمارة الأرض للذهاب في المكان من شمال الأرض لجنوبها ومن شرقها لغربها وفي الزمان من عصور سحيقة في القدم مرورا بعصور الفراعنة وشعب المايا و الصينيين و اليونان و الرومان ولعصور الخلافة الإسلامية ومن عصور النهضة الي العصر الحديث لترى طرائف غرائب و من أصغر بيت في العالم إلى أكبر ما أبدعه الانسان ومن منزل يسكنه الإنسان إلى أعلي ناطحة سحاب في العالم لنغوص في عمق النفس البشرية لنري الرعب أو الجنون أو بيتا يحاكي الطبيعة كالصدف أو البيضة أويشبه حيوان أو تحت الأرض.

599-مركز حيدر علييف في باكو عاصمة أذربيجان

زها حديد تقدم لأذربيجان تحفة بكل المقاييس المعمارية والهندسية والشاعرية  فهو تحفة فنية بكل المقاييس المعمارية والهندسية والفنية وحتى الشاعرية بنعومته وسلاسته وانسيابيته حتى أعتى المهندسين المعماريين الذين حضروا افتتاح المركز وكانوا متحفزين للانتقاد لم يكن أمامهم سوى الاستسلام والاعتراف بأنها تفوقت على نفسها هذه المرة والفضل يعود إلى أن الحكومة الأذربيجانية لم تبخل عليه بشيء ومنحت زها مطلق الحرية لكي تصرف وتتصرف حسبما يجود به خيالها المهم أن تمنحهم رمزا وطنيا يتفاخرون به أمام العالم ويستعرضون من خلاله نهضة العاصمة باكو الثقافية والاقتصادية والفنية وإذا كان بالإمكان لا بأس أن يرمز أيضا إلى قطعهم الحبل السري الذي ربطهم لفترة طويلة بالحكم السوفياتي الذي لا تزال معالمه واضحة في هندسة بعض المعالم الصارمة والجامدة ربما لم تكن هذه التعليمات مباشرة بهذا الشكل لكن زها حديد قرأت بين السطور وفهمت المقصود والطريف أنها كانت قد تأثرت في بدايتها بأعمال المعماريين الروسيين الطليعيين الذين حاربهم النظام السوفياتي وأجهض أعمالهم لصالح القوالب الكلاسيكية الصارمة التي كانت أكثر انسجاما مع سياسته في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي اختفت هذه الحركة الطليعية تقريبا ولم تتجسد رؤية هؤلاء المعماريين إلى حد الآن زها حديد هنا تعيد لهم الاعتبار برؤيتها التي ترفض القوالب التقليدية وكل ما يمت للنظام السوفياتي القديم بصلة وعندما تحط بك الطائرة في باكو ينتابك شعور بأنك صرت جزءا من عملية بروباجاندا قوية تستهدف إيصال رسالة إلى العالم تقول فيها بأن باكو وصلت بأنها عاصمة غنية بثقافتها ومعانقتها كل الأديان وليست مجرد عاصمة قوقازية غنية بالنفط فحسب وبما أن المعماريين أصبحوا في العقود الأخيرة وسيلة تعتمدها الدول والحكومات لتلميع صورها بخلق معالم جديدة أشبه بالأيقونات ترمز إلى تقدمها الاجتماعي والثقافي وتخلصها من أي إيحاءات سلبية قد تكون ارتبطت بها في السابق لم تجد العاصمة باكو أفضل من زها حديد لكي تحقق لها مبتغاها وتشبع طموحها فالمصممة البريطانية العراقية الأصل تتمتع بلغة قوية وجريئة لا تعترف بالحل الوسط وهذا هو المطلوب عندما تريد اختصار المسافات فهي كما قال لارس موللر مؤلف كتاب خاص عن مركز حيدر علييف لا تكتب بيانات رسمية بل تبنيها بالإسمنت والحديد والمطلوب كان أكثر من مجرد مبنى وظيفي عملي بل معلما يستهوي الكل وتطبعه لمسة ديمقراطية ترمز إلى الإيقاع الجديد الذي تعيشه البلاد كما تركز على صورته كبلد متقدم يتمتع باقتصاد قوي ويطمح لتحقيق المزيد من الإنجازات لهذا كان من الضروري أن تضع زها حديد بصمتها القوية لكي تضعه على الخريطة كواحد من أهم المعالم الثقافية والسياحية لتحقيق ذلك كان من المفترض ألا يكون خانقا أو صارما بل مغريا وجذابا بآيديولوجية معمارية معاصرة الأمر الذي أنجزته بسهولة هذه الأخيرة عبرت عن حبها بالانحناء احتراما لابنة العراق ومنحها ميزانية مفتوحة من دون أن تناقشها فيها وفي المقابل عبرت هي عن امتنانها بإعطاء باكو قطعة فنية ستظل شاهدة على حقبة مهمة من تاريخها هذا التاريخ الذي يتأرجح حاليا بين إرثه الآسيوي الشرقي ورغبته في التواصل مع الغرب والتخلص من الخيوط البيروقراطية التي ربطته بالاتحاد السوفياتي سابقا وبالفعل منذ الآن يستحيل عليك زيارة باكو من دون أن يستوقفك مركز حيدر علييف من الخارج ويشدك إلى دخوله واستكشاف ما تحتويه جوانبه الملتوية والممتدة على طول النظر من شفافية معتمدا على البياض حينا وعلى المساحات المفتوحة والإضاءة الطبيعية حينا آخر لقد كان مهما أن يعكس المركز فكرة الانفتاح والشفافية ومن هنا كان من الضروري التخلص من أي جدران يمكن أن تؤثر على هذه الشفافية وأي حواجز من شأنها أن تخلق نوعا من العزلة الأمر الذي يميز أسلوب زها حديد ويظهر في كل أعمالها تقريبا ليست هناك أسوار أو أبواب كل شيء مفتوح ليكون امتدادا للبيئة المحيطة بالمبنى  هذا ما قاله سافيت كايا بكيروغلو المهندس المنفذ للمشروع مضيفا من الخارج يبدو المبنى واحدا ومتجانسا بأجزائه الثلاثة التي تضم المسرح وقاعة المؤتمرات والمكتبة لأن الفكرة كانت خلق مكان لا تشعر فيه بالحواجز مكان ينساب بسلاسة وكأنه واحد اللافت في منظر المبنى من الخارج أنه يبدو كأنه لا يرتكز على أي أساسات كما هو الحال بالنسبة للبنايات التقليدية باستثناء جزء صغير جدا شبه دائري لا يتعدى المتر الواحد يفسر سافيت هذا الأمر وهو يبتسم بفخر هذا ما أطلقت عليه تسمية قدم رودولوف نورييف في إشارة إلى راقص الباليه الروسي الشهير لأن المبنى كله بمساحته التي تقدر بـ57.000 متر مربع وارتفاعه الذي يصل إلى 80 مترا يبدو واقفا على هذا الجزء الصغير فقط الوصف بكل شاعريته التي ربما لن توافق عليها زها حديد علنا خوفا من أن تتهم بالضعف في عالم ظل طويلا حكرا على الرجال يعود إلى الذهن كلما توغلت في داخل المبنى إلى حد أنك في كل دقيقة تشعر كم هو في محله كل شيء في داخل المركز ينساب بخفة ونعومة سواء من حيث بياضه ومواده المتنوعة والمتجانسة مع بعض أو من حيث الأشكال الرشيقة التي تنحني أو تتمدد لتوصلك إلى فضاء آخر يتلوى بدوره مؤديا بك إلى ركن آخر تماما كما يتلوى راقص باليه أو ينحني أو يمد يده الفرق هنا أنك جزء من هذه الرقصة حتى زها حديد نفسها لا تنكر أن ديناميكية المكان تكمن في نعومته وانسيابية انحناءاته فالمبنى الذي ستكتب في سجلها أنه عمل مشترك قادته بمساعدة شريكها باتريك شوماخر وسافيت كايا بيكوروغلو الذي أشرف على تنفيذه سيدخل أيضا سجلها على أنه أكثر عمل شاعري قامت به إلى حد الآن لما يتمتع به من جمال ونعومة وليس فقط لما يضمه من وظائف عملية أو يتضمنه من عبقرية رياضية في كل جزئية لتخلق مساحات إضافية جديدة لا يمكن تصور وجودها من قبل، إضافة إلى استغلال الإضاءة الطبيعة من خلال نوافذ ممتدة على طول حائط مثلا وعندما تبدأ جولتك في المركز تشعر بأن الجولة لن تنتهي في يوم واحد بسبب إحساس باللامتناهي يزيد عندما تصل إلى الطابق الأعلى التاسع وتنظر إلى أسفل أول ما يتبادر إلى الذهن أن المصممة استلهمت الشكل من تورتة العرس بطبقاتها المتعددة التي تتدرج من الطابق الأرضي إلى الطابق التاسع مستغلة كل ركن لوظيفة معينة لكنك سرعان ما تصحح نفسك بعد أن تتذكر أنها كانت دائما تنادي بالاستفادة من كل جزئية وأن كل ما كانت تحتاجه هو زبون لا يتحاسب معها زبون يوفر لها الأساس ويترك لها الباقي لتعبر عن عبقريتها التعليمات البارزة التي طلبها الزبون أن يحتضن المركز الثقافي الوطني قاعات عرض وقاعة مؤتمرات بـ1000 مقعد ومسرحا بتقنيات عالية فيما يتعلق بالتصميم والإضاءة والصوت كما يقول سافيت المكان الذي اختير لهذا المعلم المعماري كان أرضا صناعية بعيدة عن وسط المدينة استغرق تغييرها إلى ما آلت إليه اليوم أكثر من سبع سنوات من العمل حسب كلام سافيت الأرض التي بني عليها المركز كانت مصنعا سوفياتيا مهجورا وهذا وحده كان يستدعي كتابة نص جديد ومختلف تماما فالسيرة الذاتية التي تريد أذربيجان أن تكتبها منذ نهضتها النفطية الثانية وتستعرضها أمام العالم تتطلب شكلا أكثر إشراقا وإيجابية وصورة أكثر جمالا الأرض المقترحة كانت بمثابة الحلم بالنسبة لزها حديد وفريقها فهي شاسعة وتمنح إمكانيات عالية للإبداع والحركة ثم لا بد من الإشارة هنا إلى أن زها حديد كبرت في الستينات من القرن الماضي وشبت في محيط سياسي يساري غلب عليه الاهتمام بالمناحي الإنسانية والرغبة في تحقيق الديمقراطية الاجتماعية ما انعكس على أسلوبها وأثر عليه ويتجلى هذا التأثير في حرصها أن تجعل الخارج امتداد للداخل بخلق مساحات جديدة أحيانا من لاشيء أو بالأحرى من خلال ركن صغير تفتحه فتتحول شخصيته ووظيفته تماما الجميل فيها أنها تؤمن بأن القوالب والأشكال متغيرة وقابلة للتأويل وليست جامدة أو مطلقة ومع أنها تعتمد هذا الأسلوب في غالبية أعمالها إن لم نقل كلها فإنه أخذ صورة أكبر حجما ووضوحا في هذا المركز الذي قالت إنه أولا وأخيرا جاء وليد المساحة الخارجية تماما كما أن الفضاء الخارجي امتداد لداخل المبنى ويلتقط سافيت خيط الحديث ليشرح بأن المساحة الخارجية لم تكن منبسطة بل مرتفعة بنحو 20 مترا ما استدعى خلق عدة مساحات وطبقات تتدرج في كل مرة كاشفة عن منظر جديد مثل شلال اصطناعي يضفي السكينة على المكان أو مطعم يطل على المبنى من جهة والمدينة القديمة من جهة أخرى بينما غطي سقفه بالكامل بالنباتات لكي يبقى متجانسا مع المكان عندما تطل عليه من علٍ بالنسبة لزها حديد وحسب تعليماتها فإن هذه العلاقة المتجانسة بين المبنى والمساحة الخارجية كانت أساسية.